صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

27

تفسير القرآن الكريم

وبالعقل يكتسب الفضائل ، ويجتنب عن الرذائل ، ومن لم يقبل الأمر الإلهي فلا روح له ولا حيوة ولا فضيلة ولا شرف . * * * أقول : قد رجع هذا الكلام إلى الاعتراف بأنّ الشرف والفضيلة إنّما هو بأمر جوهري ، فإنّ حقيقة الأمر الإلهي الذي بقبوله يصير الإنسان ذا روح وعقل وحيوة دائمة هو الذي به يتجوهر الإنسان تجوهرا روحانيّا ، ويتذوّت ذاتا عقليّة دائميّة . وأما خطأ اللعين فليس لأجل حكمه بأنّ النار أشرف من الطين ، بل لأجل زعمه أنّ حقيقة الإنسان هي البدن المخلوق من التراب ، أو لأجل توّهمه انّ شرف الذات والصورة تابع لشرف الجسميّة والمادّة فهيهنا مغالطة بأخذ ما بالعرض مكان ما بالذات . * * * الوجه الخامس : إنّ الروحانيّات أشرف بقوّتي العلم والعمل من الجسمانيّات . أمّا العلم : فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنّا ، واطلّاعهم على مستقبل الأحوال الجارية علينا ، ولأنّ علومهم كليّة وعلوم الجسمانيّات جزئيّة ، وعلومهم فعليّة وعلومها انفعاليّة ، وعلومهم فطريّة وعلومها كسبيّة ، فمن هذه الوجوه تحقّق لهم الشرف عليها . وأمّا العمليّة : فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة ، ودوامهم على الطاعة يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ 21 / 20 ] ولا يلحقهم كلال ولا سآمة ، ولا يرهقهم ملال ولا ندامة . فتحقّق لهم الشرف من هذه الجهة . وكان أمر الجسمانيّات بالخلاف من ذلك . أجابوا عن هذا بجوابين : أحدهما التسوية بين الطرفين وإثبات زيادة في جانب الأنبياء . والثاني بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل .